الثقافة السياسية: تحليل نص "الثقافة السياسية الجديدة" لعبد القادر العلمي

مدخل مفاهيمي

مفهوم الثقافة مفهوم واسع يتقاطع مع مفهوم الحضارة، ويشمل التراكم المعرفي والفني والحضاري المتبلور في مختلف ميادين الحياة عبر تاريخ أمة بشكل خاص، أو تاريخ الإنسانية بشكل عام، والمشكل لهوية الذات وكنه وجودها، أو طبيعة مرحلة ما، أو أبعاد نشاط إنساني معين.

من أبرز النشاطات الثقافية الرائجة في عصر العولمة الثقافة السياسية بحكم اشتغال فئات عريضة من الناس بمجال السياسة كأداة ضرورية للمشاركة في تدبير الحياة العامة تسييرا وتقويما وانتقادا، ومن مكونات هذه الثقافة السياسية بصرف النظر عن المنطلقات الإيديولوجية لممثلي السياسة الرسمية وغير الرسمية (منظومة المعتقدات والرموز والقيم المحددة للكيفية التي يرى بها تكتل معين الدور المناسب للحكومة وضوابط هذا الدور، والعلاقة المفترضة بين الشعب وممثلي السلط المختلفة…) القدرة على التفاوض والتنازل والتسامح وقبول الاختلاف ورفض العنف والاقصاء والتهميش واحترام الخصم السياسي والحرص على المصلحة العامة وثوابت الوطن بما يضمن الاستقرار والازدهار والأمن بعيدا عن الحسابات السياسية الضيقة، والخضوع لمقتضيات اللعبة الديموقراطية، والاطلاع على القوانين والمواثيق المنظمة للعمل السياسي، والالتزام بالواقعية والشفافية والموضوعية والمرونة …

سياق النص

النص لعبد القادر العلمي، ناشط حقوقي مغربي من مواليد شفشاون سنة 1950، تقلد عدة مسؤوليات في الجامعة المغربية والمجلس الدستوري والعصبة المغربية لحقوق الإنسان. من أعماله : ”حقوق الإنسان بين النظرية والتطبيق”، ”هاجس التغيير الديموقراطي”. والنص الذي بين أيدينا من كتيب صغير له بعنوان : ”في الثقافة السياسية الجديدة” يعالج اكتساح الثقافة السياسية بمفاهيمها المتطورة لاهتمام الناس في العالم الثالث بسبب تصدع الأنظمة الشمولية وتطور وسائل الاتصال والتواصل.

ملاحظة النص

الداعي إلى وصف الثقافة السياسية في العنوان بالجديدة ما طرأ على تداول الأفكار السياسية من تطور وتوسع بسب انحسار الحظر المفروض على هذا التداول في أنظمة كانت إلى عهد قريب تعتبر الكثير من ملفوظات السياسة طابوها ونشاطا مشبوها يكتنفه الكثير من الخوف والمخاطرة، وتختزل وظائف الفعل السياسي في الولاء الأعمى لرموز الدولة وممثلي السلطة المعدودين فوق النقد والمعارضة.

يتمحور النص انطلاقا من ملاحظة عمودية لتمفصلاته الدلالية البارزة حول مفردات الثقافة السياسية الجديدة البارزة في العالم العربي في ظل المتغيرات السياسية العالمية المخترقة لانشغالات الرأي العام، والمستدعية لمشاركة الناس في صياغة المشهد السياسي المحلي والعالمي بغض النظر عن انتماأتهم ومواقفهم.

فهم النص

يطرح النص حزمة من التصورات المرتبطة بالثقافة والسياسة نجملها فيما يلي:

  • تعريف الكاتب الثقافة إجمالا بأنها تراكم فكري وفني وحضاري لأمة من الأمم يشمل المعارف والخبرات وأشكال التفكير والإبداع والقيم الدينية والأخلاقية والتقاليد وأنماط السلوك والقواعد والتنظيمات وأشكال ممارسة السلطة…
  • حصره العوامل التي تؤدي إلى اختلاف الثقافات السياسية في اختلاف طبيعة المجتمعات ومستويات تطورها واختلاف الأنظمة السياسية السائدة فيها ومرجعيات التيارات السياسية ورؤاها داخل المجتمع الواحد، واختلاف المقاربات والأهداف لدى الفاعلين السياسيين.
  • تحديده الجديد في الثقافة السياسية الراهنة في المجتمعات العربية في الطابع الحداثي التحرري الذي سمح بتدفق المفاهيم الجديدة إلى الثقافة السياسية العربية المحافظة واكتساحها لها مؤسسة بيئة سياسية أكثر تحررا وأوسع انتشارا وأكثر ارتباطا وتقاربا مع الثقافة السياسية في العالم المتقدم.
  • تأكيده على تطور الثقافة السياسية في المغرب والعالم العربي أواخر القرن الماضي تطورا ملحوظا بسبب اختراق حمى قضايا سياسية ظلت محمية بأقسى العقوبات، وانكشاف طوباوية شعارات سياسية حالمة أو مزيفة، مما استدعى إعادة النظر في كثير من القناعات وتصحيح مسار عدد من التيارات السياسية .
  • إشارته إلى تنامي وعي الشعوب بالديموقراطية وحقوق الإنسان من جراء الانتشار الواسع والتطور الهائل لوسائل الاتصال المتعددة ووسائط التثقيف العمومي والتداول اليومي لأحداث العالم وارتفاع نسبة التمدرس، غير أن عوائق جمة حالت دون تحقيق الاختيارات الديموقراطية كالإقصاء وتقييد الحريات ومضايقة الفكر والإبداع،والفساد الإداري والنفاق السياسي.
  • إصراره في النهاية على تشجيع الاهتمام بالسياسة عبر التصدي للجمود الفكري والسياسي وترسيخ قيم الديموقراطية وحقوق الإنسان وتأصيل الحداثة السياسية وتخليق العمل السياسي لإنجاح المشروع الديموقراطي وتسريع وتيرة التطور.

تحليل النص

1) يتسم معجم النص بتداخل حقلين دلالين متشابكين: ثقافي وسياسي، عبر ألفاظ تنتشر على طول الممتد النصي بنسب متفاوتة يمكن قياس كتلتها عبر الجدول الآتي:

الحقل السياسي السياسة، تدبير الشأن العام، الأنظمة السياسية، الحاكمين، المحكومين، مؤسسات الدولة، هيئات المجتمع السياسي، الرأي العام، خيارت السلطة العمومية ـ اتخاذ القرارت، الشأن السياسي، التيارات السياسية، المجال السياسي، الأفكار السياسية، الثقافة السياسية، النخب السياسية، تعارضها، دول العالم الثالث، الديموقراطية، حقوق الإنسان، الأنظمة الشمولية، النضال السلمي، مشروع نهضوي، الإقصاء، تقييد الحريات العامة، التضييق على القدرات الفكرية، تخليق العمل السياسي، المشاركة في الحياة السياسية.
الحقل الثقافي المشروع الديموقراطي الحداثي الثقافة، التراث الفكري، الفني، الحضاري، الخبرات، المعارف، أشكال الإبداع، التعبير، قيم دينية وأخلاقية، تقاليد، سلوكيات، التيارات، المفاهيم، التطورات، الأهداف، الأفكار، لغة، الفكر العربي، فلاسفة التنوير، المعتقدات، رؤية نقدية، بدائل فكرية، الاجتهاد، تنامي الوعي، حقوق الإنسان، الديموقراطية، القدرات الفكرية والإبداعية.

والملاحظ أن مصطلحات السياسة وألفاظها أكثر انتشارا في النص لارتباط موضوعه بها، غير أن ثمة تقاطعا كبيرا بين ماهو سياسي وما هو ثقافي على مستوى اللفظ عن طريق الجمع بين الحقلين في تركيب لفظي واحد عبر الوصف والإضافة، ناهيك عن احتواء الثقافي للسياسي باعتبار السياسة مكونا من مكونات الثقافة المتعددة ؛ لذلك يصعب الفصل بين الحقلين على مستوى المفاهيم والمصطلحات.

2) استخدم الكاتب ضمير الغائب في النص للإحالة على الشعوب التي اخترقتها الثقافة السياسية الجديدة، واستخدام هذا الضمير تبرره رغبة الكاتب في إضفاء طابع التجرد والحياد والموضوعية والتعميم على مقاربته، غير أنه يصرح بالمعني بالضمير في ثنايا الفقرات بشكل عام دون إشارة إلى مسمى محدد.

3) اتبع الكاتب مسارا حجاجيا واضح المعالم يقوم على هيكل استدلالي ثلاثي الأبعاد:

  • عرض الأطروحة: مفهوم الثقافة والثقافة السياسية وحضورها المتعدد بتعدد سياقات تداول السياسة في الأنظمة العربية.
  • نقيض الأطروحة: ما ينبغي أن تراهن عليه الثقافة السياسية في العالم العربي من تجاوز للفكر السياسي المتهالك أو الشمولي أوالمبنى على شعارات طوباوية؛ وتكريس لبدائل فكريةء سياسية حداثية وواقعية ومستجيبة لتلطلعات الشعوب نحو الديموقراطية والحرية واحترام حقوق الإنسان وتحقيق التنمية الشاملة.
  • التركيب: وحدها الثقافة السياسية الحديثة قادرة على إعادة الثقة إلى المواطن، وجره إلى المشاركة في الحياة السياسية، وإنجاح مشاريع التنمية.

4) في النص مجموعة من الروابط الحجاجية معظمها منطقية ترتكز على أدوات العطف وبعض أدوات التوكيد وألفاظه ومؤشرات لفظية دالة على الزمن، مما يعني أن النص منشغل بترتيب الاستدلالات وجرد المفاهيم في إطار منطقي تعاقبي في الغالب، يرصد تطور الثقافة السياسية في العالم العربي بين الأمس واليوم، وما ينبغي أن تؤول إليه مستقبلا.

5) يخلو النص من الاهتمام ببلاغة اللفظ والمعنى، لأنه معني في الأصل ببناء التصورات ورصد الواقع السياسي وتقديم البديل الممكن مما يستلزم لغة مباشرة وألفاظا تنتمي إلى المتداول العام، وتمتاح من المعجم الثقافي والسياسي دونما حاجة إلى أدوات التأثير اللفظية أو المعنوية طالما أن السياق إخباري حجاجي يروم الإقناع بأدوات منطقية تستمد قوتها الاستدلالية من واقعية الأمثلة وانسجام المتواليات الفكرية.

تركيب وتقويم

يقارب النص مفهوم الثقافة والثقافة السياسية الجديدة انطلاقا من معطيين اثنين: معطى أكاديمي مؤسس على تحديدات السوسيولوجيا والأنتروبولوجيا وعلوم السياسة، ومعطى ميداني يستقصي تمظهرات الثقافة السياسية الجديدة المتبلورة في واقع معولم أتاح تطوير تداول المفاهيم السياسية وتوسيعه، مما أدى إلى بروز تصورات جديدة اخترقت التفكير السياسي التقليدي وأجبرته على إعادة النظر في قناعاته المتصدعة، وتصحيح مساراته الحالمة أو المحنطة . وهو ما حصل أيضا في العالم العربي بفعل تطور الإعلام ووسائل الاتصال ووسائط التواصل العمومي واسعة الانتشار وتعميم التمدرس، وما تمرره هذه القنوات من قيم الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان وثقافة الحوار والسلم والتشارك.

وقد تبنى الكاتب في عرضه لواقع الثقافة السياسة الجديدة أسلوبا علميا متكئا على استثمار جهاز اصطلاحي سياسي وثقافي يحبل بتصورات رصينة، وتتفاعل معه بنية تركيبة مربوطة ربطا منطقيا محكما بمؤشرات العطف والتوكيد والتفسير والاستنتاج، وبنية دلالية منسجمة ذات كفاية حجاجية وافية تستمد قيمتها المنطقية من تعدد مرجعيات الاستدلال ( الدراسات الأكاديمية – تحليل المعطيات الميدانية – العمليات المنطقية المختلفة من استقراء واستنباط ) مما يضمن انتقال رسالة النص إلى المتلقي انتقالا سلسا مشفوعا بالقبول والتبني.