حوار الثقافات: تحليل نص "حوار الثقافات" لمحمد عابد الجابري

مدخل مفاهيمي

حوار الثقافات مصطلح رائج في عالم ما بعد الحداثة يروم ضبط حزمة من العلاقات التي تؤثث مجالا غير محدود تتفاعل فيه الشعوب أخذا وعطاء، وتوضع ضمنه حدود القبول بالآخر وتفهم خصوصياته بعيدا عن الصراع أو الإقصاء أو المواجهة العنيفة، وترتبط بهذا المفهوم تعبيرات أخرى من قبيل : حوار الحضارات – حوار الأديان – …

تتحدد أهم مرتكزات حوار الثقافات في:

  • وجود معرفة كافية عن الآخر.
  • قيادة النخبة المثقفة المنفتحة على الآخر لهذا الحوار.
  • وجود مرجعية مشتركة بين الكيانات المتحاورة ( القيم الإنسانية الثابتة في الحضارة المعاصرة : العدالة ، المساواة ، حقوق الإنسان، التسامح ، الحرية ، الديموقراطية…).
  • استهداف توفير مناخ الصداقة والسلام والتواصل والمصلحة المشتركة واستئصال العدائية والتعصب والكراهية.
  • تبني الحوار النبيل والمتحضر والعقلاني وضمان حق الاختلاف وتحقيق التفاعل الحضاري لمصلحة الإنسان ، وتجاوز المغالطات وسوء الفهم والأفكار المسبقة والأحكام الجاهزة.

سياق النص

شغلت جدلية الأنا والآخر الكثير من الفلاسفة وعلماء الا جتماع وأقطاب الأد ب والسياسة في العالم، والعالم العربي خاصة في العصر الحديث ،حيت برزت هذه الجدلية كإشكالية حاضرة بقوة في قراءة ماضي الأمة الاسلا مية وحاضرها ومستقبلها، وعزي إلى الأنا كل التقدم والتخلف الذي طال الأمة تبعا لعلاقتها بالآخر إقبالا وإعراضا. والنص إحدى هذه المقاربات التي ناقشت هذه الإشكالية. وهو للدكتور محمد عابد الجابري الباحث المغربي في مجال الفلسفة والفكر الاسلامي، صاحب “نحن والتراث” و “تكوين العقل العربي” و “نقد العقل العربي”…

ملاحظة النص

يتألف عنوان النص من كلمتين أضيفت إحداهما إلى الأخرى لتؤشرا على نوع الحوار الذي يروم النص تتبع أبعاده وشروطه واتجاهاته وضمانات استمراره، إنه رهان صعب من رهانات العولمة يستهدف تقريب الشعوب بعضها من بعض، ومد جسور التواصل والتفاهم والتفاعل بينها لتدشين ثقافة كونية عامة تحضر فيها الثقافات بسماتها المميزة حضور إغناء وإثراء في مجال منسجم يحترم فيه المتعدد الثقافي، وتراعي ضمنه مصالح الكيانات المتعاشية بشكل سلمي على أساس التسامح والانفتاح على الآخر. هذا مايوحي به العنوان على المستوى النظري الذي لايخلو من طوباوية، أما على المستوى الواقعي فقد حاول الكاتب وضع هذا الحوارفي قالبه الحقيقي الذي ليس سوى تجاذب بين مصالح جهات متقدمة (الغرب) وجهات تبحث عن مسالك التقدم (العالم العربي الإسلامي) بشكل غير غير متوازن ولا متكافئ.

فهم النص

يتمفصل النص إلى حزمة من المفاصل الفكرية الآتية:

1) اعتبار الكاتب الحوار في بداية النص شعارا نبيلا ومعقولا، غير أن طبيعته تنجلي في كونه متغيرا ومتقلبا حسب الدوافع والأهداف والمواقع والظروف، وانعكاس هذا النوع من الشعارات على تحديد مفهوم حوار الحضارات بصبغه بالكثير من الغموض والالتباس المقرونين بإرادات مبيتة وقصد مدروس.

2) مناقشة الكاتب مفهوم حوار الحضارات من منطلقين اثنين:

  • الحوار باعتباره عملية عفوية تلقائية ناجمة عن الإحتكاك الطبيعي بين الحضارات بفعل التأثير والتأثر، خاضعة للصيرورة التاريخية التي يحكمها طلب الأفضل استلهاما واحتواء، تماما كما حصل في الحضارة العربية الإسلامية التي احتوت ثقافات الفرس واليونان والهند.
  • الحوار باعتباره عملية إرادية منظمة ومخططالها، وهو في الغالب غير برئ وخاضع لاكراهات المصالح ولمنطق الأقوى بالدرجة الأولى.

3) التباس شعار “حوار الحضارات” في نظر الكاتب لكونه يحمل في طياته نوايا غير معلنة تمثل الخلفية الحقيقية لإطلاق هذا الشعار، وتتجسد في جملة المصالح التي يريد الغرب الحفاظ عليها في بلدان العالم الثالث، وفي حاجة العرب والمسلمين إلى الغرب لمساعدتهم على التقدم.

4) اقتراح الكاتب إقامة حوار بين أهل الفكروالثقاقة في الحضارات المختلفة ليتعرف كل طرف الآخر، ولتزاح المغالطات المقصودة وغير المقصودة، ولتوضع النقاط على الحروف، ويتصدى لمحاولات التدمير الثقافي لأي طرف بردود أفعال علمية معقلنة تشترك فيها عربيا الجامعة العربية والمنظمات المتفرعة عنها ومراكز الدراسات العربية…

5) ارتباط تحقق حوار الحضارات بشرطين أساسين:

  • الإرتكاز على استراتجية توازن المصالح.
  • المطارحات المضادة لما ينتجه الآخر الممرة عبر وسائل الاتصال واسعة الانتشار.

وهذان الشرطان كفيلان برفع الالتباس عن هذا المفهوم باعتبارهما يخلصانه من الهيمنة وأحاديه القطب في إنتاج الثقافة وتسويقها.

تحليل النص

1) نعت الكاتب شعار “حوار الثقافات” بمجموعة من النعوت ، فهو نيبل ومعقول ومتغير ومتقلب وغير بريء وملتبس وضبابي، وعفوي تلقائي، ومقصود مخطط له ، وهي نعوت ترصد سياقات تداول الشعار أو تحقيقه في خضم العولمة، وتتأرجح حسب طبيعة الشعار وملابسات استثماره بين أن تحسب مزايا للحوار أو معيقات له.

2) في النص حضور مكثف لضميرين يعكسان جدلية النحن والآخر التي ينهمك النص في تشكيل رؤية محددة حول واقعها وآفاقها، والتي يمرر عبرها إحساس الأنا بالظلم في حوار غير متكافئ.

3) تتألف سيرورة الحجاج في النص من ثلاثة مراحل يبينها الجدول الآتي:

الأطروحة حوار الثقافات حوار نبيل ومعقول متقلب ومتغير تبعا لسياقات تدلوله.
الأطروحة النقيض ملتبس وغير بريء لخضوعه لوصاية الغرب على ثقافة الآخر بما يضمن مصالحه.
التركيب ضرورة إخضاعه لتوازن المصالح ومواجهة الهيمنة بالعقل.

4) يبنى الحجاج في النص على استدلالات منطقية وواقعية وتاريخية تبين الخلل الحاصل في حوار الحضارات اليوم ، وتقترح تصحيحا له حتى يصبح حوارا متزنا وواقعيا ومقبولا.

5) استخدم الكاتب أسلوب التوكيد لتثبيت موقفه ، فاستنفر لذلك عددا من المؤشرات التركيبية المستهدفة تدعيم القوة الإنجازية الإقناعية، من ذلك: أدوات التوكيد، التكرار، الترادف، ضمير الفصل، أسلوب النفي والاثبات …

6) جمع النص بين وظائف متعددة منها الإخبار والإقناع والتفسير، وقد حشر لذلك الجمل الخبرية واللغة التقريرية والأمثلة التاريخية والواقعية والبعد الاستدلالي المنطقي لتوجيه رسالة واضحة إلى المتلقي مفادها أن الحوار كما يدار اليوم حوار هش يقوم على مرتكزات خاطئة مما يجعله غير قادر على بلوغ أهدافه النبيلة ، لذلك ينبغي قيادة حوار جدي ومتوازن لا يحس فيه أحد الأطراف بالغبن.

تركيب وتقويم

يحاول محمد عابد الجابري صياغة رؤية موضوعية لواقع الحوار الحضاري يبني خلالها إطارا صحيحا لهذا المفهوم يقوم على مبدأ الاعتراف المتبادل بالوجود، وهي رؤية من شأنها الدفع بهذا الحوار إلى أفقه المنشود، أفق التعايش والتفاهم والتواصل والسلم، ويروم الكاتب من خلال هذه الصياغة لفت انتباه المثقفين والعلماء ورجال الدين إلى المسار الصحيح لهذا الحوار ، معتمدا في ذلك أسلوب الاستنباط القائم على التسليم بجدوى الحوار ومعقوليته في بداية النص منتقلا إلى تقرير حضور الطرفين فيه بنسب متفاوتة تبرز هيمنة أحدهما على الآخر ، منتهيا إلى ضرورة إعادة الاعتبار إلى الطرف الضحية.