تحليل نص (الإبداع ورهانات المستقبل) لمحمد سبيلا

سياق النص

يعكس النص إحدى الاهتمامات بمجال حيوي مرتبط بالرأسمال الرمزي لكل أمة من الأمم، مجال إنساني كان مدار مقاربات متعددة من الفلاسفة وعلماء النفس والاجتماع والمنشغلين بقضايا الفن والجمال والعبقرية والنبوغ البشري، وهو للباحث المغربي محمد سبيلا المتخصص في حقل الفلسفة المعاصرة، يحاول من خلاله تسليط الضوء على أزمة الإبداع العربي المعاصر ومعيقاته وسبل استعادة دوره في قيادة العلوم والفنون في الحضارة الراهنة.

ملاحظة النص

عنوان النص مركب عطفي يحيل فيه المكونان على نوع من العلاقة التلازمية التي يصبح فيها المستقبل مزدهرا ومتخلفا رهينا بالإبداع وجودا وعدما، ناهيك عما يطرحه المعطوف والمعطوف عليه من أسئلة الماهية والخلفية المعرفية والفكرية. وبالنظر إلى الملفوظ الأول والأخير في النص يتضح اتساع حجم هذه العلاقة في وسم طبيعة الكينونة الإنسانية باعتبارها وجودا عاما أو كيانات متفاعلة يسعى كل منها إلى إثبات ذاته وتحقيق وجوده الأفضل، ومن ثم فالإبداع منظورا إلى حاضره واستشرافا لمستقبله يحتاج إلى إنعاش أو على الأقل تنشيط في الرؤية والأدوات.

فهم النص

يتمفصل النص إلى عدد من التمفصلات الدلالية الآتية:

  • الإبداع نشاط إنساني فوق العادة يستهدف خلق صور ورموز وأفكارجديدة تعكس طاقات خلاقة تعمل على تغيير الواقع أو التحكم في الظواهر أو إعادة صياغة النظم بما يلبي شغف الإنسان بالحرية والجمال والعدالة والتقدم.
  • دور الإبداع في إنتاج أشكال الحضارة الإنسانيةوتطويرها، وصياغة أنماط العلاقات بين الناس أو بينهم وبين واقعهم المادي بما يعكس سمو الإنسان وتواصله المثالي وحياته الغنية بالاستكشاف والمغامرة.
  • الإبداع إبدعان فردي وجماعي، وانصهار الفردي في الجماعي ضروري لتحفيز القدرات وتحسين شروط العيش والخروج من التقوقع.
  • مقاربة الباحثين الإبداع من زاويتين: نفسية تعتبره تفجيرا لرغبات مكبوتة تجد فيه تنفيسا وتعويضا في شكل صور ورموز وأعمال ذات كثافة عالية وإخراج مؤسس على السمو والجمال، واجتماعية ترى فيه وجودا اجتماعيا مشروطا بسياقات تسمح بانبثاقه وتعمل على تكييفه، واتفاقهم الضمني على أن الإبداع وليد شروط ذاتية وموضوعية.
  • تأثير المجتمع في العملية الإبداعية إيجابا وسلبا بحسب درجة الانفتاح والانغلاق، فالمجتمع المتخلف الاستبدادي يعيق الإبداع ويعيد إنتاج نفس أشكال التخلف حفاظا على استفادة المتنفدين من الركود والجمود، والمجتمع الديموقراطي الحر يتيح للأفراد خيارات متعددة لتحقيق ذولتهم وإظهار قدراتهم والاستفادة من مؤهلاتهم.
  • دور الإبداع العربي في سياق التحول الديموقراطي أساسي للمشاركة في صياغة المشهد الحضاري المعاصر حاضرا ومستقبلا شرط أن يتخلص من الاجترار والاتكال على الموروث الجاهز في تلميع إبداع مترهل عقيم.
  • الدعوة إلى تواصل المبدعين العرب بكل أطيافهم واهتماماتهم لبلورة إبداع قومي متعدد ومنسجم.

تحليل النص

المستوى الدالي

يغلب على النص حقلان دلاليان: حقل الإبداع الفردي، وتدخل ضمنه كل الكتل اللفظية المرتبطة بالمبدع كفرد، وخاصة ما تعلق منها بالشروط الذاتية والنفسية المفتقة للإبداع، وحقل الإبداع الجماعي بمواده المعجمية الكثيرة الداله على أن الإبداع ظاهرة اجتماعية ومضمون مجتمعي وانبثاق من ثقافة الجماعة وانصهار فيها وتأسيس وتطوير لها، ودواله أكثر هيمنة على النص طالما أن الكاتب، بدأ بالعنوان وانتشارا على طول الممتد النصي، يرهن مستقبل الجماعة بالقدرة على إبداع فاعل، ويربط تجذير الإبداع وتفتيقه بنمط اجتماعي قوامه الديموقراطية واحترام الحقوق والحريات وتعزيز أشكال التواصل بين المبدعين، وغيره مما يصنع القيم الجمالية والفنية ويمنحها إمكانات الظهور والتحقق.

المستوى الدلالي

بنى الكاتب مقاربته للإبداع على استحضار كتل من التصورات لها علاقة بماهيته وطبيعته وتحققه بشكل عام، منتهيا إلى استثمار هذه الطبيعة والقيود المرتبطة بها في اقتراح مخرج من أزمة الإبداع في المجتمع العربي، وبما أن الأزمة لها علاقة بتخلف المجتمع عن التحديث وسيادة أنماط الوصاية والرقابة والاستبداد وانتهاك كرامة الإنسان، وتعثر محاولات التواصل الإيجابي بين المبدعين المتأثرين بمناخ معيق للتجديد والابتكار، والمنتجين لنفس أشكال الثقافة المستهلكة والمكرورة والناسخة لتجارب الآخرين في الماضي العربي أو الحاضر الغربي، وتبدو تصورات الكاتب رصينة ومقبولة وذات قيمة منطقية معلومة يؤسس بعضها لبعض فتصبح متوالية منطقية منسجمة تقود فيها المقدمات إلى النتائج عبر تحليلات أقرب ما تكون إلى مسلمات أو تحصيل حاصل، من قبيل أن الإبداع خلق وابتكار، وأنه وراء صنع أشكال الحضارة والتقدم، وأن الجهد الإبداعي الفردي المنصهر في الجهد الجماعي ضروري لتشكيل الظاهرة الإبداعية وإنضاجها بما يخلق حركية التغيير والتطوير، وأنها لا تتحقق في مجتمع متخلف متسلط منغلق يفرض نموذجا واحدا يعيد إنتاج ذاته بأشكال سطحية رديئة، والحاصل أن المجتمع العربي محتاج إلى تحولات جذرية كي يكون للإبداع معنى وحضور ودور في تسريع وتيرة التقدم وضمان موقع مؤثر في المشهد الحضاري العالمي المتجدد باستمرار، لأن أمة لا تبدع حاضرها بكل إشراقاته لا يمكن إلا أن تواجه مستقبلا مظلما يهدد كيانها بالاضمحلال والتلاشي والاضطراب والموت بمفهومه الحضاري.

التقابل ظاهرة فنية توظف لأغراض مختلفة، وقد قابل الكاتب بين الكلمات والجمل والفقرات، فقابل مثلا بين الإبداع الفردي والجماعي، والانفتاح والانغلاق، والتقوقع والانصهار، والبعد النفسي والاجتماعي، وبين التاريخ والواقع والمستقبل، وبين صياغة المفهوم وتتبع تحققاته، وبين الرصد والتحليل والاستنتاج…، وكل تلك التقابلات بمستوياتها اللفظية والتركيبية والنصية أسهمت في تقوية البناء الحجاجي في النص، وتأمين انسجام المتواليات الفكرية وتماسكها ضمن تركيب فني ومنهجي يسهل عملية استقبال المحمولات المنطقية واستيعابها والاقتناع بها.

في خضم اللغة العلمية المباشرة والمنطق الاستدلالي الرصين يجد الكاتب فسحة لاستخدام كلمات موحية تفارق محتوياتها القضوية المباشرة لتحيل على دلالات سياقية ضمن قوة إنجازية يسهل التقاط محمولاتها الإشارية بسبب كثرة تداول تلك الألفاظ بتلك الحمولات في سياقات مماثلة، وهو أمر تفرضه الطبيعة الإبداعية الخلاقة للغة، ويفرضه منطق التحليل المحتاج الى أوعية لفظية ذات دلالات امتدادية وقدرة توصيلية غير محدودة. ومن تلك الألفاظ: التقوقع الذي يعني الجمود والانكماش والانعزال عن الآخر، والانصهار المقابل للتواصل والاندماج و الانفتاح، والتفجير الذي يعني إظهار طاقات وتحرير مكبوتات، والمتنفس والاجترار والآسن وغير ذلك من الألفاظ التي توفر للنص بالإضافة إلى بعده التواصلي الإقناعي بعدا جماليا إمتاعيا يثير المتلقي ويحفزه على القيام بجهد تأويلي وإدراكي ممتع.

الأسلوب اللغوي

يزخر النص بكل أنواع المصادر الثلاثية والرباعية والخماسية والسداسية والمصدر الصناعي (فعاليةء الإبداعء تجاوزء تخطيء إنتاجء استشرافء تغييرء ملاءمةء أصالةء الحريةء الرغبةء السمو ـ الجمالء مصداقية….) كما يزخر بالأفعال المضارعة وأسماء الفواعل والمفاعيل والأسماء المنسوبة، وكلها صيغ صرفية تحيل هيمنتها داخل النص إلى كونه منشغلا ببناء التصورات المرتبطة بالإبداع والمجتمع في الراهن والقابل من الزمن، وتوصيف طبيعتها وواقعها وأفقها وشروطها والمتدخلين في صياغة وجودها الكائن والممكن.

يروم النص تحقيق حزمة من الأهداف التي من ضمنها طرح إشكالية مفهوم الإبداع، وإزالة الكثير من اللبس الذي أحاط بطبيعته ووظيفته، باعتباره آلية خلاقة للتجديد والتطوير وتحقيق تواصل الإنسان مع ذاته ومحيطه بكل أشكاله بما يدفع به نحو استثمار أفضل لطاقاته وقدراته وتفاعله المؤسس على تبادل التأثير والتأثر والاستفادة القصوى من الامكانات المتاحة والتجارب المتجددة لتمكين وجوده الاجتماعي من الأفضل على المستوى المادي والمعنوي والفكري والجمالي … ومن ضمن أهداف النص أيضا، إثارة مشكل الإبداع العربي المأزوم، وما يطرحه من تحديات، وينتظره من رهانات لاستعادة تألقه وتجديد كينونته المترهلة بإنجاز حقيقي وتحولات جذرية ينصت فيها الجميع إلى نبض الشعوب المتعطشة للانعتاق والكرامة والتقدم والعدالة مما يستنفر الملكات ويهيج القدرات ويشحن المواهب ويوسع أفق الإبداع فيثمر إشعاعا، ويفسح لوجوده الخاص موقعا محترما داخل الإبداع الانساني العام.

تركيب وتقويم

يعكس النص إحدى الانشغالات التي طرحت إشكالية الواقع العربي المتشظي من زاوية الابداع الحضاري بسبب انعدام الانسجام بين الرؤى المطروحة في المجتمع، والتي اتسمت منذ خمسينات القرن الماضي بنوع من التحنيط والجمود والتخبط يمينا ويسارا ووسطا وأصالة وتحديثا، يزيدها تعثرا وتخلفا واقع الأنظمة العربية المنبنية على الاستبداد وكبت الحريات والحقوق وتزكية ثقافة الخنوع والانبطاح وغيره مما يعد تعويقا حقيقيا لكل أشكال الإبداع، وإنتاجا وإعادة إنتاج لثقافة الرداءة والتزييف والانتهاك، وقد نحا النص منحى علميا في تفصيل مفهوم الإبداع وطبيعته، ونوع المقاربات التي عرضت له، واستمد قيمته المنطقية من نتائج الأبحاث في علم النفس والاجتماع والحضارة والتاريخ، ومن استقراء الواقع وتمحيص ظواهره ليقدم للمتلقي العربي نوعا من العلاج المسعف في الخروج من النفق المسدود، كل ذلك بلغة علمية مباشرة حبلى بالمصطلحات المحيلة على حقل النفس والمجتمع والحضارة والثقافة والفن، تتخللها تعابير مجازية تدسم النص وتدفع عنه بعضا من جفاف المعروض المنطقي الصرف.