تحليل نص (الفكر الحزبي) لعلال الفاسي

ملاحظة النص

المركب الوصفي ”الفكر الحزبي” المشكل للعنوان عتبة نصية توحي بما يتوقع وروده في النص من توصيف لهذا السلوك الفكري والسياسي والاجتماعي. وبالنظر إلى كون هذه العتبة معرفة فإن ذلك يعكس اتجاه النص إلى البعد التنظيري والتاريخي العام الذي يمرر تصورا يعتقد النص رسوخه وجدواه، وينتظر من المتلقي تبنيه والانخراط في تفعيله وتحقيقه وتحيينه.

يدعم الكاتب منذ الجملة الأولى نمطا من الحياة السياسية الحديثة القائمة على الديموقراطية، المؤسسة على الفعاليات الحزبية النشيطة القادرة على تأطير فئات المجتمع وإشراكها في السلطة عبر الآليات الديموقراطية المعروفة، طالما أن ذلك من ضروريات ضبط الحراك السياسي والاجتماعي بعيدا عن الفوضى ودرأ للفساد ومواجهة له. إنه يمرر مسلمة داخل الملفوظات الأولى والأخيرة في النص تلح على وجوب انخراط الناس في التشكيلات السياسية المعلنة التي يضمن الدستور حق تعبيرها عن ذاتها وعن برامجها، باعتبار ذلك من مقومات النظام الديموقراطي الذي يكفل الحريات والحقوق، ويسعى إلى تحقيق التنمية والاستقرار.

فهم النص

يتمفصل النص إلى حزمة من المحمولات المنطقية الأساسية الآتية:

انتشار الفكر الديموقراطي في العصر الحديث استلزم إشراك المجتمعات في تسيير الشأن العام عبر هيئاتها السياسية الممثلة لها ضمانا للاستقرار ودرأ للفساد وحفظا لكيان الدولة من الانهيار.
تمكين الحريات العامة الأحزاب من القيام بأدوارها في التنظيم والتأطير والمشاركة في الحياة السياسية العامة عبر الانتخابات الحقيقية من داخل الحكومة أو من خارجها بما يتيح للشعب نوعا من السلطة يفرض بها رغباته.
تمثيل الكاتب لأشكال الممارسة الحزبية في فرنسا وإنجلترا والمشرق والمغرب العربيين ومقارنته بينها بما يثبت النضج والأصالة للنموذج الغربي، والقصور والفجاجة في التمثيل العربي.
مطالبة الكاتب بتنظيم الأمة في إطار سياسي منسجم يضمن الحريات والحقوق، ويراعي الظروف والإكراهات، ولا يسمح بالفوضى والعبث والخروج عن الأصول العامة المشتركة.

تحليل النص

يندرج النص ضمن الخطاب السياسي الأكاديمي التنظيري الذي يروم ضبط جملة من المفاهيم والتصورات المؤسسة للفعل السياسي في مجتمع يسعى إلى تنزيل قيم الديموقراطية بما يلائم سياقاته وقيوده ومستويات تطوره، تصورات يعتقد الكاتب باعتباره مفكرا سياسيا أنها صالحة لتدبير المرحلة وتقوية مناعة المجتمع المغربي ضد التصدعات والانتكاسات، والدفع به إلى مصاف الدول الديموقراطية التي يخضع فيها الكل للقانون، ويشارك فيها الجميع في تدبير السلطة والثروة عبر الهيئات المنتخبة ومؤسسات المجتمع المدني في ظل احترام الحريات وتقدير المسؤولية.

تغلب على النص مصطلحات السياسة، وتتكرر بسبب انهماك الكاتب في عرض قضية سياسية هي في الأصل قوام النظام الديموقراطي، وهي قضية الأحزاب؛ لذلك تنتشر على طول الممتد النصي كتل لفظية تنتمي إلى حقل السياسة، مثل : الديموقراطية، الأنظمة، الحكم، التنظيم، الهيئات، الشعب، الفساد، الإدارة، عدم الاستقرار، فرنسا نهاية الحرب، الأنظمة الحزبية، اضطراب العامة، التفاوض، تسيير دفة الحكم، الدولة، الأنظمة البائدة، التعاون الحزبي، القانون، السلطة، الإصلاحات السياسية….

يرى الكاتب أن تنظيم المجتمع في إطار هيئات سياسية حقيقية بات أمرا ضروريا، على أن تتاح لهذه الهيئات الحرية والقدرة على أداء أدوارها حتى لا تتحول إلى مجرد كائنات سياسية طفيلية تقتات على الهامش بما يلقى إليها من فتات سياسي وامتيازات فردية تطوح بها في منعطفات الانتهازية والانبطاح، وتقزم أدوارها وتختزلها في مجرد جوقة تردد توجهات متحكمين أو متسلطين لا يؤمنون بالمشاركة السياسية الحقيقية، ويصرون على الاستفادة من أوضاع التخلف لمزيد من الاستئثار بالسلطة والثروة وتركيزهما في متنفذين قلائل.

يقوم تصور الكاتب للحزبية السياسية على فتح المجال للعمل السياسي الجاد للاشتغال بحرية شرط أن يكون الفاعل السياسي متوفرا على قاعدة شعبية عريضة منظمة أحسن تنظيم، وقيادات تاريخية نزيهة يثق فيها الناس ويلتفون حولها، إما بالانتخاب القانوني المنظم أو بالتوافق المؤسس على الاحترام والتقدير والمباركة والطاعة، كما هو الشأن بالنسبة لزعماء الأحزاب المغربية بعيد الاستقلال، وهو أمر أصبح متجاوزا في الوقت الراهن بالنظر إلى التطور الذي عرفه الخطاب السياسي تنظيرا و أجرأة وتفعيلا؛ لكن جوهر تصور علال الفاسي للحزبية السياسية يرتكز على مضمون الأدبيات السياسية والبرامج والرؤى الفلسفية المختلفة للهيئات الحزبية التي ينبغي أن تعمل على تلحيم الأمة المغربية وتحقيق تماسكها وانسجامها بالارتكان إلى مرجعية مشتركة من المبادئ والثوابت والأصول العامة الجامعة لأرواح كل المغاربة، بعيدا عن البلقنة وأنواع الشقاق التي تفسد العمل السياسي، وتشتت أوصال الناس، وتصرفهم عن السياسة في اتجاه أشكال أخرى من الحراك غير محمودة، وقد دعم الكاتب تصوره هذا بالكثير من الحجج، بعضها تاريخي مستمد من واقع السياسة في الغرب والشرق وأقطار المغرب العربي، وبعضها من فقه السياسة تشبع به الكاتب من مرجعيات متعددة إسلامية وغربية حديثة انصهرت جميعها في بوتقة واحدة لتؤسس لفكر سياسي واقعي ونفعي لدى علال الفاسي يرى أن البيئة السياسية مجال التعاون والتآلف والمشاركة التي تقود إلى الاستقرار وتحقيق مصالح الناس أفرادا وجماعات ضمن أفق احترام الحريات العامة وضمان حقوق الإنسان.

يتسم الخطاب السياسي في النص بهيمنة لغة تقريرية مباشرة مبنية على رصد الواقع الفكري والسياسي ( انتشار الديموقراطية في المدنية الحديثة ـ تدبير الأحزاب السياسية لما بعد الثورة الفرنسية ـ دور الأحزاب في المجتمع البريطاني ـ أشكال الهيئات السياسية في المشرق والمغرب العربي …)، وتقديم البديهيات ( الديموقراطية الحزبية باتت ضرورية )، وتحليل أبعاد التعامل الإيجابي والسلبي مع واقع موجود بالفعل ( مسألة الحريات والحقوق )، وطابع حجاجي يسعى إلى إبراز مزايا فكر سياسي يدافع عنه الكاتب. وقد توسل الكاتب في ذلك بجمل خبرية مشحونة بمصطلحات سياسية، ومبنية على التفصيل والتفسير، وألفاظ دالة على وثوقية صارمة ( إن انتصار الديموقراطية فرض ..، وطبيعي أن هذا الأمر..، فيجب أن نعمل دائما…) تدعمها أدوات توكيد منتشرة على امتداد جسد النص، وروابط لغوية ومنطقية كأدوات العطف والقصر والنفي والتحقيق والاستدراك والتفصيل والاستنتاج والشرط والجزاء، وأنماط من التكرار الترادفي والاشتقاقي أدخلت النص في نسق من الاتساق والصرامة اللغوية والمنطقية تشد إليها المتلقي العام والخاص مقتنعا ومؤيدا، وتعكس انشغالا بالواقع السياسي للأمة المغربية والعربية، واهتماما بالغا بتطويره وتنظيمه بما يحقق الرفاهية والاستقرار.

تركيب وتقويم

النص بصدد تمرير رسالة إلى المتلقي تبين مزايا النظام الديموقراطي القائم على مشاركة الأحزاب في بناء الحياة العامة، وقدرته على احتواء المتعدد الثقافي والسياسي، وتصريف الاختلاف بشكل ديموقراطي تصريفا يقود المجتمع إلى استثمار طاقاته الفكرية والسياسية والاقتصادية استثمارا مفيدا في بيئة تتاح فيها الحريات وتحترم الحقوق ويسود القانون وترعى الديموقراطية وتضمن النزاهة والشفافية والمحاسبة في تدبير الانتخابات وصرف الأموال وإنجاز المشاريع، وهو أمر، وإن لم يضبط تماما في المشرق العربي، فإنه في المغرب العربي بشكل من الأشكال يتجه نحو الطريق الصحيح بفعل التجربة الديموقراطية المتراكمة، يتلمس الظروف والسياقات المناسبة ليتجذر أكثر. وتبدو حجج الكاتب مقنعة إلى حد ما بالنظر إلى السياق التاريخي الذي وردت فيه، ولارتكازها على مفهيم نبيلة رغم أن تطبيقاتها على أرض الواقع في ظل تغير المناخات تخرق حمولتها النظرية المثالية.